القوة التبوتية للرسم العقاري

 

تقرير تحليلي معمق حول الرسم العقاري في المغرب

I. الملخص التنفيذي

يُعدّ الرسم العقاري في النظام القانوني المغربي حجر الزاوية في تحقيق الأمن والاستقرار العقاري. فهو ليس مجرد وثيقة إثبات للملكية، بل هو وثيقة نهائية ومُطهّرة للعقار من كافة الحقوق السابقة غير المُسجلة، مما يجعله نقطة انطلاق وحيدة للحقوق والالتزامات المتعلقة به. هذا النظام، الذي ينظمه ظهير التحفيظ العقاري الصادر في 12 أغسطس 1913 وتعديلاته اللاحقة، لا سيما القانون 14.07، يهدف إلى توفير حماية مطلقة للمُلاّك وتشجيع الاستثمار. بيد أن فعاليته الكاملة تواجه تحديات بنيوية وقانونية عميقة.

يكشف هذا التقرير عن أن أبرز التحديات تكمن في الازدواجية القانونية للنظام العقاري، حيث تتعايش العقارات المُحفّظة مع عدد هائل من العقارات غير المُحفّظة التي تُدار بقواعد فقهية وعرفية، مما يخلق حالة من انعدام اليقين القانوني. كما تتداخل مساطر التحفيظ مع قوانين أخرى مثل نزع الملكية لأجل المنفعة العامة وقوانين التعمير، مما يؤدي إلى تناقضات وتأخيرات. علاوة على ذلك، فإن التطبيق الصارم لمبدأ "التطهير" في التحفيظ العقاري، رغم أنه أساسي لضمان قوة الرسم العقاري، يمكن أن يؤدي إلى نتائج غير عادلة لبعض الأطراف.

خلص التحليل إلى أن هناك حاجة ماسة إلى استراتيجية شاملة لتوحيد النظام العقاري، وتبسيط الإجراءات، وضمان الانسجام التشريعي بين القوانين المختلفة، وتعزيز المساءلة القضائية والإدارية. هذه الإجراءات ضرورية لتمكين الرسم العقاري من أداء دوره الكامل كأداة للعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية المستدامة، بما ينسجم مع الأهداف الدستورية للحكامة الجيدة ودولة القانون.

II. مقدمة: الرسم العقاري كركيزة للحكامة المغربية

2.1. المفهوم التأسيسي للرسم العقاري

يُعرف الرسم العقاري في القانون المغربي كوثيقة قانونية فريدة وموثوقة، تُعد بمثابة بطاقة تعريف رسمية للعقار. هذه الوثيقة، المُسَلَّمة من طرف المحافظ على الأملاك العقارية، تتضمن جميع البيانات المتعلقة بالتقييدات المضمنة في السجل العقاري، بالإضافة إلى نسخة من التصميم العقاري الملحق به.1 إن جوهر الرسم العقاري لا يكمن فقط في إثبات الملكية، بل في الأثر التطهيري الذي يترتب على تأسيسه، حيث يلغي "كل ما قبله" ويُطهر الملك من جميع الحقوق السالفة غير المضمنة به، مما يجعله غير قابل للطعن ونقطة انطلاق قانونية وتقنية وحيدة للحقوق.2

يعود الإطار القانوني لهذا النظام إلى ظهير التحفيظ العقاري الصادر في 12 أغسطس 1913، والذي يُعد اللبنة الأساسية للنظام العقاري الحديث في المغرب. وقد عُدّل هذا الظهير وتم تتميمه بمقتضى القانون رقم 14.07، بهدف تبسيط الإجراءات وتحسين الحماية القانونية للمُلاك، مما يعكس إرادة تشريعية مستمرة لمواكبة التطورات وتحديث النظام.4

2.2. السياق الدستوري والمؤسسي الأوسع

تتجذر أهمية الرسم العقاري في مبادئ دستورية أعمق. فالدستور المغربي لعام 2011 يضمن حق الملكية كحرية أساسية، ويحدد أن نطاق هذا الحق لا يمكن تقييده أو نزع الملكية إلا بموجب القانون ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.8 هذا النص الدستوري يُشكل الأساس الحامي للملكية العقارية، ويؤكد على أن نظام التحفيظ ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تجسيد لهذا الحق الدستوري.

يرتبط نظام التحفيظ أيضاً بأهداف الحكامة الجيدة ودولة القانون التي نص عليها الدستور.11 فاستقرار النظام العقاري ضروري لترسيخ سيادة القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحقيق الشفافية في المعاملات. كما يتكامل نظام التحفيظ مع ورش "الجهوية المتقدمة"، الذي خصص له الدستور باباً كاملاً، حيث يُعد التنظيم الترابي للمملكة تنظيماً لا مركزياً.12 هذا التوجه يقتضي أن يتم إدارة الشأن العقاري على المستويين المحلي والجهوي بشكل يخدم أهداف التنمية، مما يمنح المجالس المحلية والجهوية صلاحيات ذاتية ومشتركة ومنقولة لإنعاش الاستثمارات وتطوير البنيات التحتية.20

III. الفصل الأول: مسطرة التحفيظ ودور المؤسسات

3.1. المراحل القانونية والتقنية للتحفيظ العقاري

مسطرة التحفيظ العقاري في المغرب هي عملية إدارية وقضائية معقدة تتكون من عدة مراحل محددة بدقة. تبدأ هذه المسطرة بإيداع "مطلب التحفيظ" لدى المحافظة العقارية، حيث يقوم طالب التحفيظ أو نائبه بتقديم طلب يحدد فيه العقار ويدلي بالوثائق المثبتة لحقوقه.22 يُعد هذا المطلب الخطوة الأولى لتنقية الملكية وتحصينها.

تأتي بعد ذلك "عملية التحديد"، وهي مرحلة تقنية حاسمة تتم على عين المكان. يقوم خلالها مهندس مساح طبوغرافي مُحلّف بتحديد حدود العقار بدقة، ووضع الأنصاب (العلامات الحدودية)، وتحرير محضر بذلك. يتطلب هذا الإجراء حضور طالب التحفيظ والأملاك المجاورة والمُتدخلين.22 بعد إعداد المحضر والتصميم الأولي، تُعلق خلاصة المطلب في الأماكن العمومية ويُنشر إعلان في الجريدة الرسمية لمدة شهرين، وهي المرحلة المخصصة لتقديم "التعرضات".25

إذا لم تكن هناك تعرضات أو إذا تم حلها بشكل ودي، يقوم المحافظ على الأملاك العقارية باتخاذ قرار التحفيظ وتأسيس الرسم العقاري النهائي.22 أما في حالة وجود نزاع أو تعرضات لم يتم حلها، فيتم إحالة الملف إلى المحكمة الابتدائية المختصة للبت في النزاع.22 هذا المسار يعكس التداخل بين الجانب الإداري والتقني والقضائي في مسطرة التحفيظ.

3.2. الإطار المؤسسي وجهود التحديث

يُسهر على تطبيق نظام التحفيظ العقاري في المغرب الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية (ANCFCC)، وهي مؤسسة عمومية تتمتع بصلاحيات واسعة لتأمين الملكية العقارية.29 تتولى الوكالة مهام تحفيظ الأملاك، وإشهار الحقوق العينية، وحفظ الوثائق العقارية، وإنجاز تصاميم المسح العقاري والخرائط الوطنية.29

يشغل المحافظ العام منصباً محورياً في هذا النظام، حيث يُكلف بتوحيد العمل الإداري بين جميع المحافظين على الأملاك العقارية، وتقديم التوجيهات والتعليمات لضمان التطبيق الموحد لظهير التحفيظ.31 كما أن الوكالة تسعى لتحديث خدماتها من خلال رقمنة الإجراءات، مما يسمح بتقديم بعض الطلبات والوثائق بشكل إلكتروني، وذلك بهدف تبسيط المساطر وتوفير بيئة معلوماتية ملائمة.33

إن عملية التحفيظ، رغم أنها تبدو نظاماً عصرياً ومتجانساً من الناحية القانونية، إلا أنها تعتمد بشكل كبير على عنصر المشاركة البشرية. فالنجاح في تحفيظ عقار ما يتوقف على قدرة المالك على متابعة الإجراءات بدقة، وحضور عملية التحديد، وتقديم الوثائق المطلوبة. هذه المتطلبات قد تشكل عائقاً أمام فئات واسعة من المجتمع، خاصة في المناطق القروية أو بالنسبة للأفراد ذوي الإلمام القانوني المحدود، مما يجعل النظام، في بعض الأحيان، أكثر فاعلية للفئات الميسورة التي لديها الموارد اللازمة للاستعانة بخبراء ومحامين. وبالتالي، فإن الحماية المطلقة التي يمنحها الرسم العقاري قد تكون رهينة بقدرة الأفراد على التكيف مع هذه المتطلبات، وهو ما يطرح سؤالاً حول المساواة في الوصول إلى هذه الحماية.

IV. الفصل الثاني: الآثار القانونية ومبدأ التطهير

4.1. الطبيعة المطلقة والنهائية للرسم العقاري

يُعد مبدأ التطهير (al-Tathir) هو المظهر الأبرز والأكثر جوهرية لقوة الرسم العقاري. ينص الفصل 62 من ظهير التحفيظ العقاري على أن الرسم العقاري نهائي ولا يقبل الطعن، ويعتبر نقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق.34 هذا يعني أن الرسم العقاري يمحو كل الحقوق العينية السابقة التي لم يتم التصريح بها أو تقييدها خلال مسطرة التحفيظ، بغض النظر عن مشروعيتها أو أصولها.2

بموجب هذا المبدأ، لا يُمكن للمتضررين من عملية التحفيظ الذين فقدوا حقوقهم أن يرفعوا دعوى عينية لاسترداد العقار. إنما يقتصر حقهم على المطالبة بتعويض شخصي ضد الشخص الذي قام بالتحفيظ إذا أثبتوا وجود تدليس أو سوء نية، وهو أمر صعب الإثبات في الواقع.3 هذا المبدأ القانوني، الذي تكرسه محكمة النقض المغربية باجتهاداتها، يُعتبر قاعدة آمرة ومطلقة تُطبق على الكافة لضمان استقرار المعاملات العقارية.35

4.2. الاجتهادات القضائية وتحدي العدالة

يُعَدّ تطبيق مبدأ التطهير إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل في القضاء العقاري. فرغم أن الغالبية العظمى من الاجتهادات القضائية تؤكد على الطابع المطلق والنهائي للرسم العقاري، فإن بعض القرارات القضائية كشفت عن محاولات لإيجاد مرونة في تطبيق هذا المبدأ، خاصة في حالات "الخلف الخاص" أو المشتري حسن النية الذي لم يتمكن من تقييد حقه.36

تُظهر هذه التباينات في الاجتهاد القضائي صراعاً جوهرياً بين مبدأين قانونيين: مبدأ استقرار المعاملات العقارية الذي يكرسه التحفيظ، ومبدأ العدالة والإنصاف الذي قد يتضرر منه من فقد حقه بحسن نية. إن هذا التوتر بين حماية المالك الجديد وحماية صاحب الحق القديم الذي لم يسجل حقه، يسلط الضوء على أن نظام التحفيظ، في سعيه لتحقيق النهائية، قد يمس ببعض الحقوق المشروعة. يعكس هذا التحدي أن القانون، في بعض جوانبه، قد يجد نفسه في مواجهة الواقع الاجتماعي، حيث لا يزال العديد من الأفراد يعتمدون على الوثائق التقليدية أو الأعراف، مما يجعلهم عرضة لفقدان حقوقهم عند التحفيظ.

V. الفصل الثالث: ازدواجية النظام العقاري وتحدياتها

5.1. ظاهرة الازدواجية: العقار المحفظ وغير المحفظ

يُعاني النظام العقاري المغربي من "ازدواجية" عميقة تنقسم إلى نظامين متوازيين: الأول هو نظام التحفيظ العقاري الحديث الذي أُسس بظهير 1913، والثاني هو نظام العقارات غير المحفّظة الذي يخضع لقواعد فقه المذهب المالكي والأعراف المحلية.34 هذه الازدواجية تخلق بيئة قانونية معقدة وغير متجانسة، مما يعيق التخطيط التنموي الشامل ويُضعف الثقة في المعاملات العقارية.

تتفاقم هذه الإشكالية بسبب غياب وثيقة قانونية موحدة لهذه العقارات، مما يجعلها عرضة للنزاعات حول الملكية والحدود، ويُسهل عمليات التزوير والاحتيال.34 ورغم أن المشرع يسعى إلى توحيد النظام عبر تبسيط إجراءات التحفيظ، إلا أن التعامل مع العقار غير المحفّظ لا يزال ينطوي على مخاطر كبيرة، خاصة في ظل الاعتماد على العقود العرفية التي تعتبر باطلة في العديد من الحالات ما لم تُحرر من قبل محامٍ مقبول لدى محكمة النقض أو موثق أو عدل.42

5.2. المخاطر الاقتصادية والاجتماعية

تترتب على الازدواجية العقارية آثار اقتصادية واجتماعية سلبية. فعدم تحفيظ العقارات يُحرمها من أن تكون ضمانة للقروض البنكية، مما يُعيق الاستثمار في القطاع الزراعي والسكني، ويُقلص من مساهمة هذه الثروة العقارية في التنمية الاقتصادية.43 ووفقاً لتقارير متخصصة، يُعد الأمن العقاري ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمار، وتُشير التحديات البنيوية مثل تعدد الأنظمة العقارية وبطء المساطر إلى وجود عراقيل تحد من فعالية هذا الأمن.46

5.3. الأنظمة العقارية الخاصة والإصلاحات

تتضمن الازدواجية القانونية أيضاً الأنظمة العقارية الخاصة، مثل أراضي الجموع (أراضي السلالية)، وأملاك الدولة، وأراضي الأحباس (الأوقاف). تُدار أراضي الجموع من قبل وزارة الداخلية، وقد شهدت إصلاحات قانونية جديدة (القوانين 62.17، 63.17، 64.17) تهدف إلى تمليكها لأعضاء الجماعة السلالية وإدماجها في الدورة الاقتصادية.47 تهدف هذه القوانين إلى حل النزاعات وتوفير الحماية القانونية وتعزيز الاستثمار في هذه الأراضي.49 أما أملاك الدولة، فتنقسم إلى أملاك عامة مخصصة للمنفعة العامة وأملاك خاصة يُطبق عليها القانون الخاص.38 كما أن أراضي الأحباس لها وضع قانوني فريد يحمي أصلها ويخصص منفعتها، ولا تخضع لقاعدة التطهير في التحفيظ.55

إن هذا التنوع القانوني للعقارات في المغرب يُشير إلى أن التطور نحو نظام عقاري موحد ليس مجرد هدف تقني، بل هو مسار طويل الأمد لدمج التنوع التاريخي والقانوني للبلاد في إطار حديث ومُنسجم. تُظهر الإصلاحات المتعلقة بأراضي الجموع أن الدولة تسعى بشكل استراتيجي لاستخدام التحفيظ كأداة لتصفية الأوضاع القانونية القديمة، وتحويل الأصول العقارية من مجرد ثروة جامدة إلى رافعة للتنمية المستدامة.

VI. الفصل الرابع: التناقضات والإشكاليات العملية

6.1. التعارض مع قوانين نزع الملكية للمنفعة العامة

يُعد نزع الملكية لأجل المنفعة العامة من أبرز المواضيع التي تكشف عن التوتر بين مبادئ القانون العقاري وأهداف السياسة العامة. فبينما يضمن الرسم العقاري حماية الملكية، يُخول القانون للإدارة نزع هذه الملكية إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.57 إلا أن هذه المسطرة تعاني من صعوبات متعددة الأبعاد، أبرزها طول الإجراءات الإدارية والقضائية، والخلافات حول تقدير قيمة التعويض الذي غالباً ما يعتبره المواطنون غير كافٍ.58

كما يُبرز القضاء الإداري دوراً حيوياً في حماية حقوق المُلّاك، حيث يُمكن للقاضي أن يُوازن بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، ويُحدد التعويض العادل بناءً على خبرة قضائية.60 ومع ذلك، فإن مشكلة "الاعتداء المادي" على العقارات، والتي تتمثل في قيام الإدارة بالاستيلاء على العقار دون اتباع المسطرة القانونية، تُشكل انتهاكاً صارخاً لحق الملكية. ويضاف إلى ذلك تحدٍ آخر يتمثل في صعوبة تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لصالح المواطنين ضد الإدارة، وهي إشكالية أشار إليها الملك محمد السادس.59

إن هذه التحديات تُظهر أن الدولة، التي من المفترض أن تكون الحامي الأول للأمن العقاري، قد تُصبح، من خلال بعض أجهزتها، مصدراً للتهديد. فعدم تنفيذ الأحكام القضائية يُعد تناقضاً مباشراً مع مبدأ دولة القانون، ويُضعف الثقة في المنظومة القضائية، مما يُولد شعوراً لدى المواطنين بأن حقوقهم غير مُحصنة بشكل كافٍ أمام تعسف الإدارة.

6.2. التضارب مع قوانين التعمير

يُعَدّ التضارب بين نظام التحفيظ وقوانين التعمير مثالاً آخر على التحديات البنيوية. فبينما يُثبت الرسم العقاري ملكية عقار بحدود ومساحة ثابتة، فإن قوانين التعمير، عبر وثائقها (كتصاميم التهيئة)، تُحدد وظيفة العقار واستخداماته، وتفرض قيوداً على البناء أو الاستغلال.65 هذا التضارب يؤدي إلى نزاعات، خاصة فيما يتعلق بالاستثناءات التي تُمنح في مجال التعمير.

وقد كشف تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن أن مسطرة الاستثناءات، التي أُنشئت لمعالجة بعض الاختلالات، قد أدت في الواقع إلى تفضيل المضاربات العقارية على حساب التنمية العمرانية المتناسقة، مما أوجد "فضاء حضري يتسم بالقبح والابتذال".69 إن هذه الممارسات تُظهر أن غياب "الالتقائية" بين قوانين التعمير والعقار يُعَدّ عائقاً كبيراً أمام تحقيق حكامة ترابية فعالة، ويُفسح المجال أمام تداخل الصلاحيات واختلال التوازن بين المصلحة العامة والخاصة.70

VII. الفصل الخامس: الدور السوسيو-اقتصادي ومستقبل الرسم العقاري

7.1. الرسم العقاري كرافعة للتنمية الاقتصادية

تتجلى القيمة الحقيقية للرسم العقاري في قدرته على تحفيز التنمية الاقتصادية. فالاستقرار القانوني الذي يوفره للملكية يُعَدّ شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات، سواء كانت وطنية أو أجنبية.43 يُمكن للمُستثمرين الاعتماد على الرسم العقاري كوثيقة رسمية وحيدة تمنحهم الثقة في سلامة استثماراتهم العقارية.

كما أن الرسم العقاري له دور حيوي في القطاع المالي، حيث يُعتبر الضمانة الأكثر أماناً للقروض البنكية، مما يُسهل الحصول على التمويل اللازم للمشاريع الاقتصادية.44 وتُساهم الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية بدورها في التنمية من خلال تحصيل رسوم التسجيل والتحفيظ، حيث بلغت مساهمتها في ميزانية الدولة مبالغ كبيرة.74

7.2. الأبعاد الاجتماعية والثقة العامة

لم يغفل المشرع المغربي البعد الاجتماعي في إصلاحاته العقارية. فقد سعت القوانين الجديدة المتعلقة بأراضي الجموع إلى تحقيق العدالة الاجتماعية عبر تمكين أفراد الجماعة السلالية، ذكوراً وإناثاً، من تملك الأراضي التي يستغلونها.48 يهدف هذا الإصلاح إلى حل النزاعات التاريخية وتحسين الظروف المعيشية لذوي الحقوق، وتوفير شعور بالاستقرار والكرامة.

يظل بناء الثقة العامة في النظام العقاري مسؤولية مشتركة. ففعالية نظام التحفيظ ليست مجرد مسألة تشريعية، بل تتوقف على نزاهة المؤسسات، واستقلالية القضاء، وشفافية الإجراءات. إن القضاء، من خلال دوره في حماية الملكية من الاعتداءات المادية وضمان التعويض العادل، يساهم بشكل مباشر في تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية والإدارية، وهو ما يُعد أساساً صلباً لبناء دولة القانون.

VIII. الخاتمة والتوصيات الاستراتيجية

تُظهر دراسة نظام الرسم العقاري في المغرب أنه نظام قوي نظرياً، لكنه يواجه تحديات معقدة في التطبيق العملي. إن مبدأ التطهير يُقدم حلاً جذرياً لمشكلة عدم استقرار الملكية، ولكنه قد يخلق في نفس الوقت شعوراً بالظلم لدى من فقدوا حقوقهم. إن الازدواجية العقارية والتناقضات بين القوانين المختلفة هي عوائق رئيسية أمام التنمية الشاملة. ولتجاوز هذه التحديات، يُوصى بما يلي:

  1. توحيد النظام العقاري: وضع استراتيجية وطنية شاملة لتسريع عملية التحفيظ الجماعي للأراضي السلالية وغير المحفّظة، بهدف إنهاء ازدواجية النظام العقاري تدريجياً وتوحيد الثروة العقارية تحت مظلة قانونية واحدة.

  2. الانسجام التشريعي: إجراء مراجعة شاملة للقوانين المتعلقة بالتعمير ونزع الملكية لضمان انسجامها مع مبادئ التحفيظ العقاري، وتجنب التضارب في النصوص القانونية الذي يُعيق التطبيق ويُغذي النزاعات.

  3. تعزيز المساءلة: تفعيل آليات المساءلة لضمان تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة في قضايا نزع الملكية، مما يُعزز سيادة القانون ويُرسخ الثقة في المنظومة القضائية.

  4. الشفافية الرقمية: مواصلة الاستثمار في رقمنة خدمات المحافظة العقارية مع وضع ضمانات قوية للأمن السيبراني، وتكثيف حملات التوعية لجميع شرائح المجتمع بأهمية التحفيظ ومراحله، لزيادة الشفافية والوصول إلى الخدمات.


جدول 1: مراحل مسطرة التحفيظ العقاري والمتدخلون الرئيسيون

المرحلةالأنشطة الرئيسيةالجهة المسؤولةالنصوص القانونية ذات الصلة
1. إيداع المطلبتقديم طلب التحفيظ مع الوثائق المطلوبة.طالب التحفيظ أو نائبهظهير التحفيظ العقاري (الفصول 10-12)
2. عملية التحديدتحديد حدود العقار على عين المكان، بحضور الأطراف، ووضع الأنصاب.المهندس المساح الطبوغرافيظهير التحفيظ العقاري (الفصل 19)
3. الإشهار والتعرضاتنشر الإعلان في الجريدة الرسمية وتعليقه في الأماكن العامة لإتاحة فرصة التعرض.المحافظ على الأملاك العقارية، السلطة المحليةظهير التحفيظ العقاري (الفصلان 17 و 25)
4. قرار المحافظفحص الطلب والوثائق، واتخاذ قرار التحفيظ، أو الإلغاء، أو الإحالة على المحكمة.المحافظ على الأملاك العقاريةظهير التحفيظ العقاري (الفصلان 30، 32، 50)

جدول 2: مقارنة بين الأنظمة العقارية الرئيسية في المغرب

نوع النظام العقاريالأساس القانونيالسمة الرئيسيةالآثار الاقتصاديةالإصلاحات الأخيرة
العقار المحفّظظهير التحفيظ العقاري 1913 والقانون 14.07، مدونة الحقوق العينية 39.08مبدأ التطهير (نهائية ومطلقة للرسم)يُعد ضمانة قوية للائتمان البنكي ويُحفز الاستثمار.القانون 14.07 لتبسيط الإجراءات ورقمنة الخدمات.
العقار غير المحفّظقانون الالتزامات والعقود، الفقه المالكي، الأعرافغياب سند ملكية رسمي ونهائيلا يمكن استخدامه كضمانة للقروض، مما يحد من قيمته الاقتصادية.جهود التحفيظ الإجباري.
أراضي الجموع (السلالية)ظهير 1919 والقوانين 62.17، 63.17، 64.17تمليك جماعي، تدار من قبل وزارة الداخليةكانت تُعد أراضي جامدة اقتصادياً، لكن الإصلاحات تهدف لدمجها في الاقتصاد وتشجيع الاستثمار.القوانين 62.17، 63.17، 64.17 لتصفية الأوضاع وتمليكها.
أملاك الدولة الخاصةظهير 3 يناير 1916خاضعة للقانون الخاص، قابلة للتملكتُستخدم في مشاريع الدولة وقد تُباع أو تُفوت للمستثمرين.ميثاق اللاتمركز الإداري لتمكين المسؤولين المحليين.
أملاك الأوقاف (الأحباس)ظهير 1913 على الأحباسلا تخضع لقاعدة التطهير، مُخصصة للبر والإحسانتُخصص للمنفعة العامة أو الخاصة، لكنها غير قابلة للتصرف فيها بشكل يخل بأصلها.لا يوجد تعديل تشريعي حديث يخص مبدأ التطهير.

جدول 3: تحديات نزع الملكية والاستجابات القضائية

التحديمظاهر التحديالاستجابة القضائية
صعوبات مسطرة نزع الملكيةالإجراءات الإدارية والقضائية الطويلة، والخلافات حول تقدير التعويضات.القضاء يتبنى مبدأ التعويض العادل ويستعين بخبرة قضائية لتقدير القيمة الحقيقية للعقار.
الاعتداء المادياستيلاء الإدارة على العقار دون اتباع المسطرة القانونية.القضاء الإداري يُصدر أحكاماً لحماية الملكية من الاعتداءات المادية ويعتبرها تصرفاً غير مشروع.
عدم تنفيذ الأحكام القضائيةصعوبة تنفيذ الأحكام الصادرة لصالح المواطنين ضد الإدارة، كما أشار الملك محمد السادس.يُعد هذا التحدي انتهاكاً لمبدأ دولة القانون وضرورياً لحماية حقوق المواطنين، لكن المشكلة ما زالت قائمة.
التعويض غير الكافيعدم كفاية التعويضات المقترحة من اللجنة الإدارية مقارنة بالقيمة السوقية للعقار.المحاكم لا تلتزم بتقديرات اللجنة الإدارية وتُسند تحديد التعويض إلى الخبراء القضائيين.

تعليقات