قراءة في القانون العقاري المغربي: دعائم الأمن العقاري والضمانات القانونية

قراءة في القانون العقاري المغربي: دعائم الأمن العقاري والضمانات القانونية

يعتبر القانون العقاري في المغرب ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويتسم بتعدد أنظمته القانونية المستمدة من تاريخه وتنوع ممتلكاته ``. ولتحقيق "الأمن العقاري" كضرورة للتنمية وجذب الاستثمار [1, 2]، وضع المشرع المغربي ترسانة قانونية معقدة تتوزع بين الملكية الخاصة والعامة، وتعتمد في جوهرها على نظام التحفيظ العقاري.

الفصل الأول: الأنظمة العقارية الكبرى والإطار التشريعي

تتوزع الأنظمة العقارية الكبرى في المغرب إلى عدة أصناف، لكل منها نظامه القانوني الخاص: نظام الأملاك الخاصة، ونظام أملاك الدولة (العام والخاص)، والملك الغابوي، وأملاك الأوقاف (الأحباس)، وأملاك الجماعات السلالية، وأراضي الكيش [3].

1.1. الملكية الخاصة: بين العقار المحفظ وغير المحفظ

تنقسم عقارات الخواص إلى صنفين أساسيين، مما يكرس ازدواجية النظام العقاري في المغرب ``:

  • العقارات المحفظة: تخضع لنظام ظهير التحفيظ العقاري لسنة 1913، ويترتب على تحفيظها مبدأ التطهير والقطعية (سيتم تفصيله لاحقاً). تتميز هذه العقارات بسهولة تداولها، وقابليتها للحجز والرهن، وعدم سريان التقادم عليها ``.

  • العقارات غير المحفظة: تخضع لأحكام مدونة الحقوق العينية (القانون 39.08) وللراجح والمشهور وما جرى به العمل من الفقه المالكي [3]. وتكتسب ملكيتها عن طريق الحيازة الطويلة الأمد (التقادم المكسب)، الذي يشترط أن تكون الحيازة فعلية، مستمرة (لمدة 10 سنوات للغير و 40 سنة للأقارب)، وعلنية وهادئة [3].

1.2. العقارات ذات الوضع القانوني الخاص (الجماعات السلالية وأملاك الدولة)

  • الأملاك المخزنية (ملك الدولة الخاص): هي العقارات التي تملكها الدولة ولا تكون مخصصة للاستعمال العمومي. وتخضع في تدبيرها عادة لوزارة المالية، ويتم تجميع الأموال المنقولة المتأتية من جرائم المخدرات والأراضي التي لا مالك ولا وارث لها لتندرج ضمن أملاك الدولة الخاصة ``.

  • أراضي الجماعات السلالية: تعود ملكيتها لجماعات تربطهم روابط عرفية، ولا يمكن تمييز حقوق الأفراد فيها عن حقوق الجماعة [3]. وقد شهدت هذه الأراضي إصلاحاً جذرياً بموجب القانونين 62.17 و 64.17، بهدف:

    • فتح الباب أمام تحفيظها وتمليكها لذوي الحقوق [4].

    • تمليك الأراضي السلالية الفلاحية لذوي الحقوق المستغلين لها [4].

    • تشجيع الاستثمار في القطاع الفلاحي والمساهمة في الأمن الغذائي [4].

    • تبسيط إجراءات التحديد والتقسيم والتوزيع الفردي والجماعي [4].

الفصل الثاني: التحفيظ العقاري (ظهير 1913): ضمانة القطعية والتطهير

يمثل نظام التحفيظ العقاري، المنظم بموجب ظهير 12 غشت 1913، الركيزة الأساسية للأمن العقاري، لأنه يضمن تطهير حق الملكية لتصبح محددة المعالم القانونية والمادية، مما يسهل تداولها في السوق الاقتصادية وفق مبدأ الثقة [5].

2.1. المبادئ الجوهرية للتحفيظ

  • مبدأ التطهير (الفصل 62): يترتب على تأسيس الرسم العقاري بطلان ما عداه من الرسوم، وتطهير الملك من جميع الحقوق السالفة غير المضمنة به [6].

  • مبدأ القطعية (الفصل 64): يصبح الرسم العقاري نهائياً ولا يقبل الطعن، ويمنع إقامة أية دعوى عينية في العقار بسبب حق وقع الإضرار به من جراء التحفيظ [6].

  • حماية الغير حسن النية (الفصل 66): في حال وجود تزوير أو تدليس في عقد سابق، لا يمكن التمسك بإبطال التسجيل في مواجهة الغير ذي النية الحسنة الذي قيد حقه استناداً إلى الرسم العقاري [6]. ويبقى للمالك الأصلي المتضرر حق إقامة دعوى شخصية بأداء تعويضات على مرتكب التدليس فقط، ويتحمل صندوق التأمينات التعويض في حالة إعسار المدلس [6, 7].

2.2. دور المحافظ على الأملاك العقارية

يتخذ المحافظ على الأملاك العقارية قراره بتحفيظ العقار وتأسيس الرسم العقاري بعد أن يتحقق من إنجاز جميع الإجراءات المقررة قانوناً، وشرعية الطلب، وكفاية الحجج المدلى بها، وخلو العقار من أي تعرض [8]. وفي حالة وجود تعرضات، يوجه المحافظ الملف والوثائق المتعلقة به إلى المحكمة الابتدائية للبت فيها [8].

2.3. مسطرة التحفيظ الجماعي للأملاك القروية

لتسريع تحفيظ الأراضي، أقر المشرع مسطرة التحفيظ الجماعي للعقارات القروية (ظهير 25 يوليو 1969)، وهي مسطرة اختيارية ومجانية إلا في حالة وجود تعرضات، حيث يتعين على المتعرض أداء الوجيبة القضائية وحقوق المرافعة [9].

الفصل الثالث: ضبط التصرفات العقارية (الشكلية ومكافحة التزوير)

لتعزيز الأمن التعاقدي ومكافحة ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير، فرض المشرع شكليات صارمة على المعاملات العقارية.

3.1. إلزامية الشكلية في العقود (المادة 4 من مدونة الحقوق العينية)

تنص المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية (قانون 39.08) على أن جميع البيوع العقارية والتصرفات المتعلقة بالحقوق العينية (تعديلها أو إسقاطها) والوكالات الخاصة بها يجب أن تتم إما بموجب محرر رسمي، أو محرر عرفي ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض [10].

الهدف من هذه الشكلية الصارمة هو:

  1. تحقيق الأمن التعاقدي وضبط وتنظيم المعاملات العقارية [10].

  2. حماية الطرف الضعيف وتسهيل الإثبات [10].

  3. التصدي للتزوير، حيث يقلل التسجيل من احتمالية وقوع التزوير، وإذا ثبت، فإنه يسهل التعرف على المزور [11].

3.2. البيع في طور الإنجاز (القانون 44.00)

نظام بيع العقار في طور الإنجاز (VEFA) ينظمه القانون 44.00 (المعدل بالقانون 107.12) لتوفير الحماية للمشتري. ويعتبر بيعاً يلتزم بمقتضاه البائع بإنجاز عقار ونقل ملكيته إلى المشتري مقابل ثمن يؤديه هذا الأخير تبعاً لتقدم الأشغال [12].

يتطلب هذا البيع:

  • إبرام عقد تخصيص (اختياري) قبل العقد الابتدائي، ولا يجوز إبرامه قبل الحصول على رخصة البناء ``.

  • يجب أن يتم تحرير العقد الابتدائي إما في محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ يوثقه مهني قانوني منظم (تحت طائلة البطلان) [12].

  • تنظيم أشطر الأداء التي ترتبط بتقدم الأشغال (مثلاً 5% عند عقد التخصيص، و 10% عند العقد الابتدائي، و 60% تقسم على مراحل الإنجاز، و 20% عند البيع النهائي وتسليم المفاتيح) ``.

  • تنتقل الملكية للمشتري من تاريخ إبرام العقد النهائي أو صدور حكم نهائي في الدعوى [12].

الفصل الرابع: التعمير ونزع الملكية: قيود على حق الملكية

تخضع الملكية الخاصة لقيود التعمير ونزع الملكية لأجل المنفعة العامة، وهي قيود أساسية لتحقيق التنمية العمرانية والمجالية.

4.1. رخصة البناء وقانون التعمير (12.90)

ينظم التعمير أساساً بمقتضى القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، ويهدف إلى ضمان احترام القوانين التعميرية وتفادي العشوائية في البناء ``.

  • إلزامية الرخصة: يجب الحصول على رخصة البناء قبل الشروع في أي عملية بناء أو إدخال تغييرات على المباني القائمة ``.

  • سلطة التسليم: يسلم رخصة البناء رئيس مجلس الجماعة [13].

  • آجال دراسة الطلب: يجب دراسة طلب رخصة البناء والرد عليه في أجل لا يتعدى 30 يوماً من تاريخ إيداعه ``.

  • الجزاء: يعاقب بغرامة تتراوح بين 10,000 و 100,000 درهم كل من باشر بناءً دون الحصول على الإذن الصريح أو الضمني [13].

4.2. نزع الملكية لأجل المنفعة العامة (القانون 7.81)

إن حق الملكية، رغم دستوريته، ليس مطلقاً، ويمكن نزع ملكية العقارات أو الحقوق العينية العقارية كلاً أو بعضاً لأجل المنفعة العامة ``.

  • الأساس: لا يجوز نزع الملكية إلا إذا أُعلنت المنفعة العامة، ولا يتم إجراؤه إلا وفقاً للقانون رقم 7.81 ``.

  • المسطرة القضائية: يتم نزع الملكية بـحكم قضائي ``.

  • الإجراءات: تبدأ المسطرة بإعلان المنفعة العامة بقرار ينشر في الجريدة الرسمية، يتبعه صدور مقرر التخلي الذي يعيّن الأملاك المشمولة بالنزع في أجل سنتين ``.

  • الحيازة والتعويض: لا يمكن لنازع الملكية حيازة العقارات المنزوعة ملكيتها إلا بعد استيفاء إجراءات التبليغ أو النشر ودفع التعويض الاحتياطي أو إيداعه . ويجب أن يكون التعويض عادلاً .

الفصل الخامس: دور القضاء في تكريس الأمن العقاري

يلعب القضاء، وخاصة محكمة النقض، دوراً حاسماً في تكريس الأمن العقاري من خلال الموازنة بين حماية حق الملكية واستقرار المعاملات الاقتصادية.

  • تغليب الأمن النظامي: غلَّب الاجتهاد القضائي مبدأ حماية الغير حسن النية واستقرار الرسم العقاري (القطعية والتطهير) على قاعدة البطلان العام (ما بني على باطل فهو باطل) [6].

  • الجزاء التعويضي: في حالة تضرر المالك الأصلي بسبب التزوير أو التدليس على عقار محفظ، لا يحق له المطالبة باسترداد العقار عيناً (الجزاء العيني)، بل يقتصر حقه على المطالبة بـتعويض مالي (دعوى شخصية) في مواجهة مرتكب التدليس [6, 7].

  • الطعن في التزوير: أعطت المادة 2 من مدونة الحقوق العينية لصاحب الحق المتضرر بسبب تدليس أو زور إمكانية رفع الدعوى للمطالبة بحقه داخل أجل أربع سنوات من تاريخ التقييد المطلوب إبطاله أو تغييره [6]. وينبغي على المالكين متابعة سجلاتهم العقارية لتفادي ضياع حقوقهم بانقضاء هذا الأجل [11].


خاتمة موجزة:

إن الإطار القانوني العقاري في المغرب، بمزيجه من القواعد الإلزامية (التحفيظ والشكلية في التصرفات) والقيود العامة (التعمير ونزع الملكية)، يهدف إلى خلق بيئة استثمارية موثوقة. وتظل فعاليته مرهونة بتبسيط مساطر التحفيظ غير المكتملة، وتوحيد المرجعيات القانونية، وتعزيز دور القضاء في ترسيخ مبادئ اليقين القانوني.

تعليقات