يُعد الاعتداء على الملكية والحيازة من أخطر الجرائم التي تهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ولذا، أولى المشرع المغربي في مجموعة القانون الجنائي اهتماماً خاصاً لجريمة السرقة، منظماً أحكامها بدقة بدءاً من الفصل 505. يهدف هذا التقرير إلى تقديم تحليل قانوني وفقهي مفصل لأركان هذه الجريمة، وتصنيفاتها العقابية، والآليات القانونية التي توازن بين الردع والرأفة.
I. الإطار المفاهيمي والتنظيمي لجريمة السرقة في القانون الجنائي المغربي
تُعرَّف جريمة السرقة بأنها اختلاس مال منقول مملوك للغير بنية تملكه، وهو تعريف يشمل العناصر الأساسية للركنين المادي والمعنوي.
1. التعريف القانوني والتكييف الأولي (الفصل 505)
نظم القانون الجنائي المغربي جريمة السرقة في الفصل 505 وما يليه. في صورتها البسيطة، تُعاقب السرقة كجنحة تأديبية. تتراوح العقوبة في هذه الصورة غير المقترنة بظروف مشددة بين سنة وخمس سنوات حبساً.
يعكس تحديد هذه العقوبة توازناً في السياسة الجنائية، حيث تهدف العقوبة إلى تحقيق الردع العام اللازم لجرائم الأموال، مع ترك مساحة لتقدير الظروف المخففة التي قد تنجم عن الأوضاع الاقتصادية للجاني أو قيمة المسروق الزهيدة. إن هذا التكييف الأولي كجنحة يحدد أيضاً الإجراءات المتبعة ونوع المحكمة المختصة قبل أن يتم تصعيد التكييف إلى جناية في حال توفر ظروف التشديد الموصوفة في الفصول اللاحقة.
2. تحليل الأركان التكوينية للجريمة
يقتضي قيام جريمة السرقة توافر ركنين أساسيين: الركن المادي والركن المعنوي.
أ. الركن المادي (فعل الاختلاس)
يتمثل الركن المادي في فعل الاختلاس، وهو سلب الحيازة (نقلها) من المجني عليه إلى الجاني. ويجب أن يتم هذا الاختلاس بدون موافقة المالك أو علمه (انتفاء الرضا). يُعد رضا المالك عن نقل الحيازة أمراً نافياً لفعل الاختلاس المكوّن للسرقة، وقد يحول التكييف القانوني إلى خيانة أمانة أو نزاع مدني، حسب طبيعة التسليم.
أما محل الجريمة، فيجب أن تتوفر فيه شرطان رئيسيان :
أن يكون مالاً منقولاً: يستثنى من ذلك العقار بحسب الأصل، وإن كانت بعض التشريعات تورد أحكاماً خاصة للمحاصيل الزراعية غير المنفصلة عن الأرض لغرض التخفيف.
أن يكون مملوكاً للغير: إذا كان المال ملكاً للجاني أو كان جاحداً لملكيته للغير، تنتفي جريمة السرقة، وقد يتحول الفعل إلى جريمة أخرى كجنحة الاستيلاء على مال ضائع
يتطلب الركن المعنوي في جريمة السرقة توافر القصد الجنائي العام والقصد الجنائي الخاص. يتكون القصد الجنائي من عنصرين أساسيين:
العلم: علم الجاني بأن المال الذي يستولي عليه مملوك لشخص آخر، وأن هذا الاستيلاء يتم دون رضاه.
نية التملك (القصد الخاص): وهي النية التي تميز السرقة عن باقي جرائم الاعتداء على الأموال. يقصد بها قصد الجاني التصرف في المال المسروق تصرف المالك، وبشكل دائم.
إن إثبات نية التملك يُعد نقطة محورية في الدعوى الجنائية. فإذا غابت هذه النية، كما في حالة أخذ الشيء للاستعمال المؤقت دون قصد التملك الدائم، فإن التكييف القانوني للواقعة قد يتغير من سرقة إلى جنحة انتفاع غير مشروع، أو قد ينتفي القصد الجنائي كلية في حالة أخذ شخص مالاً باعتقاد خاطئ بحقه فيه. هذه النقطة تُمثل أهمية قصوى للدفاع، إذ يتركز عليها عبء إثبات انتفاء القصد الجنائي.
كما تجدر الإشارة إلى أن جريمة السرقة تقع بمجرد تحقق فعل الاختلاس، بصرف النظر عن النتيجة النهائية، أي أن عودة المسروق إلى مالكه (سواء بجهد المجني عليه أو تدخل الشرطة) لا ينفي وقوع الجريمة ولا يُعفي الجاني من العقوبة. هذا يؤكد أن الركن المادي يرتكز على الفعل (الاختلاس) وليس على النتيجة المتمثلة في الإفقار النهائي.
II. صور السرقة المشددة: التكييف إلى جناية (الفصول 507 وما يليه)
تنتقل جريمة السرقة من جنحة بسيطة إلى جناية (تستدعي عقوبات أشد تصل إلى السجن المؤبد) عند اقترانها بظروف معينة نص عليها المشرع المغربي في الفصول 507 وما يليه. تهدف هذه الظروف إلى معاقبة الجاني ليس فقط على الاعتداء على الملكية، بل على الخطر الإضافي الذي شكله فعله على الأمن العام وسلامة الأفراد.
1. المعايير التشريعية لتصنيف الجناية
يتم تصنيف السرقة كجناية بناءً على عوامل تتعلق بخطورة الوسيلة، أو الزمان، أو المكان، أو صفة الجاني.
أ. التشديد المرتبط بخطورة الوسيلة والزمان والمكان
استعمال السلاح أو التهديد به: يعد من أخطر ظروف التشديد، حيث يربط جريمة المال بالاعتداء على سلامة الأشخاص. في هذا السياق، هناك توجه تشريعي حديث لتوسيع مفهوم السلاح وتشديد العقوبات على حمله في الفضاء العام، مما يعكس سياسة جنائية صارمة تجاه كل ما يهدد الأمن.
الاقتران بالعنف أو الإكراه: إذا صاحبت السرقة أعمال عنف أو تهديد لغرض تنفيذها أو تيسير الهروب، فإن العقوبة تُشدد لكونها تعدت الاعتداء على المال إلى الاعتداء على سلامة الشخص الجسدية.
السرقة ليلاً: يُعد ارتكاب الجريمة ليلاً ظرفاً مشدداً لأنه يسهل الهروب والإخفاء ويجعل مقاومة المجني عليه أكثر صعوبة.
استعمال الناقلات: يشمل ذلك استخدام وسائل النقل ذات المحرك أو دواب الحمل (كالأحصنة والبغال) لتسهيل ارتكاب الجريمة أو نقل المسروقات والهروب بها. يهدف هذا التشديد إلى مواجهة السرقة المنظمة التي تعتمد على السرعة والقدرة اللوجستية لنقل الأشياء الثمينة.
ب. التشديد المرتبط بصفة الجاني والتعدد
تعدد الجناة: ارتكاب السرقة من قبل عدة أشخاص.
انتحال الصفة: قيام الجاني بانتحال صفة موظف عمومي أو أي صفة أخرى تسهل له الدخول إلى المكان أو ارتكاب الفعل.
سرقة الخدم أو المستخدمين: إذا ارتكبت السرقة من عامل (خادم أو صانع) ضد مخدومه، فإن ذلك يعد ظرفاً مشدداً نظراً لانتهاك الثقة الخاصة الممنوحة للجاني.
المشاركة والتستر: يُعاقب كل من يشتري مالاً مسروقاً أو يتستر عليه، مع علمه بأنه متحصل من جريمة، بنفس عقوبة السارق الأصلي، إذ يعتبر شريكاً في الجريمة.
III. الأعذار القانونية والظروف المخففة: الموازنة بين الردع والرأفة
في مقابل ظروف التشديد، نص القانون الجنائي على آليات تهدف إلى تفريد العقاب وتحقيق العدالة التصالحية، وتشمل الأعذار المعفية والظروف المخففة.
1. الأعذار القانونية المعفية من العقاب (الإعفاء المطلق)
يُعد العذر المعفي آلية قانونية تلغي العقوبة الجنائية رغم تحقق أركان الجريمة. ومن أبرزها في القانون المغربي (ضمن فصول 534 و 535) هو السرقة المرتكبة بين الأقارب.
السرقة بين الأزواج والأصول والفروع: يُعفى الزوجان، والأصول (كالآباء والأجداد) والفروع (كالأبناء والأحفاد) من المسؤولية الجنائية إذا وقعت السرقة بينهم.
الغاية القانونية والآثار:
يشترط أن يُفهم أن هذا الإعفاء المطلق لا يمتد ليشمل الأقارب الأبعد (كالأعمام والأخوال) في الدائرة الجنائية الضيقة، ويجب عدم الخلط بينه وبين الأعذار التي تجعل المتابعة متوقفة على شكاية.
2. ظروف التخفيف القانونية والتقديرية
تسمح ظروف التخفيف بإنزال العقوبة إلى حد أدنى أو استبدالها بعقوبة أخف، وهي نوعان: قانونية وتقديرية.
1. الأعذار القانونية المعفية من العقاب (الإعفاء المطلق)
يُعد العذر المعفي آلية قانونية تلغي العقوبة الجنائية رغم تحقق أركان الجريمة. ومن أبرزها في القانون المغربي (ضمن فصول 534 و 535) هو السرقة المرتكبة بين الأقارب.6
السرقة بين الأزواج والأصول والفروع: يُعفى الزوجان، والأصول (كالآباء والأجداد) والفروع (كالأبناء والأحفاد) من المسؤولية الجنائية إذا وقعت السرقة بينهم.2
الغاية القانونية والآثار: يمثل هذا الإعفاء حماية للمصلحة الاجتماعية العليا المتمثلة في الحفاظ على التماسك الأسري. ومع ذلك، فإن الإعفاء يقتصر على العقوبة الجنائية، بينما تبقى المسؤولية المدنية قائمة، حيث يحق للمجني عليه المطالبة باستعادة المال أو المطالبة بالتعويض.2
يشترط أن يُفهم أن هذا الإعفاء المطلق لا يمتد ليشمل الأقارب الأبعد (كالأعمام والأخوال) في الدائرة الجنائية الضيقة، ويجب عدم الخلط بينه وبين الأعذار التي تجعل المتابعة متوقفة على شكاية.
2. ظروف التخفيف القانونية والتقديرية
تسمح ظروف التخفيف بإنزال العقوبة إلى حد أدنى أو استبدالها بعقوبة أخف، وهي نوعان: قانونية وتقديرية.
أ. التخفيف القانوني
القيمة الزهيدة للمسروق: يمكن تخفيف العقوبة إذا كانت قيمة المال المسروق زهيدة أو تتعلق بمحاصيل زراعية لم تنفصل عن الأرض، مما يجعل الجريمة أقل خطورة.2 هذا الظرف يمنح القاضي سلطة تخفيف العقوبة أو استبدالها بالغرامة في بعض الأحيان.7
التنازل أو الصلح: يُعد التنازل أو الصلح بين المجني عليه والجاني ظرفاً مؤثراً جداً في تخفيف العقوبة.2 يمكن للمحامي الخبير أن يستغل هذا التنازل في قضايا السرقة لتقليل مدة السجن أو استبدال العقوبة بتدبير بديل كالمراقبة أو العمل الاجتماعي، مما يفتح الباب أمام العدالة التصالحية ويقلل العبء على النظام القضائي.8
ب. الرأفة القضائية
تمنح التشريعات الجنائية، في سياق تفريد العقاب، سلطة تقديرية واسعة للمحكمة (ظروف الرأفة) لتخفيف العقوبة المقررة للجناية أو الجنحة إذا رأت أن ظروف الجريمة أو ظروف الجاني تستدعي ذلك.9 هذا يضمن مرونة في تطبيق القانون وفقاً لحالة كل متهم.
IV. التمييز الدقيق بين السرقة والجرائم المماثلة (خيانة الأمانة والنصب)
يواجه القضاء تحدياً كبيراً في التمييز بين السرقة وجرائم الأموال الأخرى، كخيانة الأمانة والنصب، ويكمن الفيصل في تحليل كيفية انتقال الحيازة ونوع القصد الجنائي.
| الجريمة | طريقة انتقال الحيازة (الركن المادي) | طبيعة القصد الجنائي |
| السرقة | سلب الحيازة خلسة أو عنوة (دون رضا المالك).3 | قصد جنائي خاص (نية التملك الدائم للمال).2 |
| خيانة الأمانة | تسليم رضائي للمال بناءً على عقد أمانة صحيح، ثم قيام الجاني بسوء نية بالتصرف فيه.3 | قصد جنائي خاص (نية خيانة الثقة والتصرف تصرف المالك). |
| النصب (الاحتيال) | تسليم المال برضاء المالك، لكن هذا الرضاء معيب لأنه نتج عن خداع وتدليس.10 | قصد جنائي خاص (نية الاحتيال للحصول على المال). |
1. تحليل الفرق الجوهري في الحيازة
الفرق الجوهري بين السرقة وخيانة الأمانة يكمن في أن السرقة تكون بأخذ المال دون علم أو إذن صاحبه، أي بالاعتداء على الحيازة.3 بينما خيانة الأمانة تقع عندما يكون المال قد سُلّم إلى الجاني بموافقة المجني عليه بموجب عقد يلزمه برده أو استخدامه في غرض محدد، ثم يقوم الجاني بالتصرف فيه بنية سيئة.3
في القانون المغربي، لم يضع المشرع لائحة حصرية للعقود التي يمكن أن تؤسس لقيام جريمة خيانة الأمانة، خلافاً لبعض التشريعات المقارنة، وهو ما يجنب القضاة صعوبة تكييف بعض العقود أو إشكالية بطلانها.11
2. التحديات القضائية في إثبات الاختلاس
أكدت اجتهادات محكمة النقض (في سياقات قانونية مقارنة ومماثلة) على ضرورة التفريق بين النزاع المدني والجريمة الجنائية.3 يجب إثبات نية المتهم في التصرف بالمال تصرفاً يخالف الاتفاق مع علمه بأن هذا التصرف يُعد خيانة للأمانة.3 مجرد عدم الوفاء بالتزام مدني لا يُشكل جريمة خيانة أمانة ما لم يثبت القصد الجنائي للاستيلاء.
تظهر تعقيدات التكييف بشكل خاص في النزاعات العائلية أو الملكية المشتركة. على سبيل المثال، في قضايا الأثاث بين الأزواج، قد تقضي المحكمة ببراءة المتهم من جريمة الاختلاس (خيانة الأمانة) إذا لم يثبت أن المال المنقول سُلّم إليه على سبيل الأمانة (كإعارة أو إجارة)، بل كان مجرد إقامة مشتركة أو حيازة مشتركة، مما يجعل النزاع في الأصل مدنياً.12
إن القصور في بيان الأدلة أو فشل المحكمة في إثبات أن المال سُلم على سبيل الأمانة (في خيانة الأمانة) أو فشلها في إثبات نية التملك (في السرقة) يؤدي إلى بطلان الحكم بالإدانة، لكون أحكام الإدانة يجب أن تُبنى على الجزم واليقين.1
الخلاصة والمنظور المستقبلي للعقوبة
تُعد جريمة السرقة في القانون
الجنائي المغربي جريمة مركبة، تتراوح تكييفاتها بين الجنحة البسيطة
والجناية الخطيرة بناءً على عوامل محددة بدقة. يقوم النظام القانوني على
موازنة معقدة بين الردع الصارم وحماية المصالح الاجتماعية.
1. المبادئ القانونية المستخلصة
القصد الجنائي الخاص هو الأساس: يبقى الفيصل في تكييف السرقة هو إثبات نية التملك لدى الجاني.
التكييف
الصحيح للحيازة: يجب على القضاء أن يميز بدقة بين سلب الحيازة (سرقة)
والتسليم الرضائي الناقص (خيانة الأمانة/نصب)، وهو ما يستدعي تحليلاً
دقيقاً لوقائع انتقال المال.
حماية الأسرة: منح المشرع عذراً
مُعفياً مطلقاً للسرقة بين الأزواج والأصول والفروع، مما يعكس تفضيلاً
لحماية التماسك الأسري على تطبيق الجزاء الجنائي الصارم.
2



تعليقات
إرسال تعليق