ملخص قانون الالتزمات والعقود المغربي

 

القانون المدني المغربي: تحليل استراتيجي للمبادئ العامة في قانون الالتزامات والعقود وتطبيقاتها المعاصرة

يعتبر قانون الالتزامات والعقود المغربي، الصادر بموجب الظهير الشريف في 9 رمضان 1331 الموافق لـ 12 أغسطس 1913، الوثيقة القانونية المركزية التي تؤطر المعاملات المالية والروابط الشخصية في المملكة المغربية. إن هذا القانون، الذي وضع في سياق تاريخي تميز بالتلاقح بين الفقه الإسلامي العريق (لاسيما المذهب المالكي) والتقنينات المدنية الغربية الحديثة، استطاع أن يحافظ على جوهره كشريعة عامة تنظم كافة فروع القانون الخاص، بدءاً من التجارة وصولاً إلى العقار والشغل. وتكمن عبقرية هذا النص التشريعي في قدرته على التطور عبر تعديلات متلاحقة، كان آخرها القانون رقم 21-18 المتعلق بالضمانات المنقولة، مما يعكس مرونة النظرية العامة للالتزام في مواجهة التحولات الاقتصادية والتقنية الكبرى. إن فهم المبادئ العامة لهذا القانون يتطلب غوصاً في فلسفة الإرادة، وآليات المسؤولية، وطرق انقضاء الروابط القانونية، وهي العناصر التي تشكل هيكل الاستقرار القانوني في الدولة المغربية الحديثة.  

الفصل الأول: الماهية القانونية للالتزام وتصنيفاته الهيكلية

يمثل الالتزام الرابطة القانونية التي تربط بين شخصين، يلتزم بمقتضاها أحدهما، وهو المدين، تجاه الآخر، وهو الدائن، بنقل حق عيني أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل. إن هذا المفهوم يتجاوز مجرد الوعد الأخلاقي ليدخل في دائرة الإلزام القانوني الذي تضمنه السلطة العامة للدولة.  

الطبيعة البنيوية للالتزام: المديونية والمسؤولية

يتكون الالتزام في الفكر القانوني المغربي من عنصرين متكاملين؛ عنصر المديونية الذي يمثل الواجب الملقى على عاتق المدين بالوفاء، وعنصر المسؤولية الذي يمنح الدائن الحق في اللجوء إلى القضاء والوسائل الجبرية لاستخلاص حقه في حال عدم الوفاء الاختياري. هذا التركيز على عنصر المسؤولية هو ما يفرق بين الالتزام المدني، الذي يحظى بحماية القانون، والالتزام الطبيعي الذي يفتقر لعنصر الجبر القضائي ولكنه يظل صالحاً كأساس للوفاء الاختياري.  

وجه المقارنةالالتزام الشخصي (الحق الشخصي)الحق العيني
الأطراف

دائن ومدين ومحل الالتزام

صاحب الحق والشيء محل الحق مباشرة

النطاق

نسبي، لا يلزم إلا أطرافه

مطلق، يواجه به الكافة (كحق الملكية)

الخصائصلا يمنح حق التتبع أو الأفضليةيمنح صاحبه ميزتي التتبع والأولوية
القيمة المالية

أداء مالي أو عمل مقدر بالنقود

سلطة مباشرة على أعيان مالية
 

التصنيفات الوظيفية للالتزامات في التشريع المغربي

تتعدد تصنيفات الالتزامات وفقاً لطبيعة الأداء المطلوب أو المصدر المنشئ لها، وهي تصنيفات تسعى لتحقيق توازن بين حرية الأفراد ومتطلبات الأمن القانوني :  

  1. الالتزامات الإيجابية والسلبية: يظهر الالتزام الإيجابي في صورة القيام بعمل (كالتزام البائع بتسليم المبيع)، بينما يتجسد الالتزام السلبي في الامتناع عن عمل (كالتزام العامل بعدم منافسة رب العمل بعد انتهاء العقد).  


إن التطور الحاصل في الاقتصاد المغربي أدى إلى بروز "الالتزام بالإعلام" و"الالتزام بالسلامة" كالتزامات قانونية ملزمة للمهنيين تجاه المستهلكين، مما يعكس انتقالاً من النظرية التقليدية للالتزام إلى نظرية أكثر اجتماعية تهدف لحماية الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية.  

الفصل الثاني: المبادئ المحركة للنظرية العامة للعقود

يقوم قانون الالتزامات والعقود المغربي على مجموعة من المبادئ الكبرى التي تعد بمثابة البوصلة الموجهة لكافة التصرفات القانونية. هذه المبادئ ليست مجرد نصوص جامدة، بل هي قيم قانونية تعكس تطلعات المجتمع المغربي نحو العدالة والحرية الاقتصادية.  

مبدأ سلطان الإرادة والحرية التعاقدية: الفلسفة والحدود

يعتبر مبدأ سلطان الإرادة الركيزة الأساسية التي بني عليها ظهير 1913. ويجد هذا المبدأ أساسه التشريعي في الفصل 230 الذي ينص على أن "الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها". إن هذه الاستعارة القانونية (العقد قانون الطرفين) تعني أن الإرادة الحرة للأفراد تملك القدرة على إنشاء روابط ملزمة تعجز حتى المحاكم عن التدخل فيها إلا في حالات استثنائية.  

ومع ذلك، فإن سلطان الإرادة في القانون المغربي لم يكن يوماً مطلقاً بالمعنى الفوضوي. فقد رسم المشرع حدوداً صارمة تتمثل في "النظام العام" و"الآداب العامة". وبناءً عليه، فإن أي اتفاق يخالف هذه القواعد الآمرة يقع باطلاً بطلاناً مطلقاً، وهو ما يجسد رغبة الدولة في حماية المصالح العليا للمجتمع.  

مبدأ حسن النية: من الواجب الأخلاقي إلى المعيار القانوني

يفرض الفصل 231 من قانون الالتزامات والعقود تنفيذ الالتزامات بحسن نية، وهو مبدأ انتقل من مجرد نصيحة أخلاقية إلى كونه أداة رقابية بيد القاضي. إن حسن النية يقتضي من المتعاقد ألا يكتفي بتنفيذ حرفية النص العقدي، بل عليه أن يلتزم بكل ما يتطلبه العقد وفقاً لطبيعته أو للعرف أو للقانون. ويرتبط هذا المبدأ ارتباطاً وثيقاً بظاهرة "التعسف في استعمال الحق"، حيث يمنع القانون الشخص من ممارسة حقه التعاقدي إذا كان الهدف الوحيد هو الإضرار بالغير أو تحقيق مصلحة تافهة مقارنة بالضرر الحاصل.  

مبدأ نسبية آثار العقد: حماية الغير من التعهدات الأجنبية

ينص الفصل 228 على أن "الالتزامات لا تلزم إلا من كان طرفاً في العقد"، وهي قاعدة ذهبية تمنع تحميل الأغيار التزامات لم يرتضوها. لكن التطورات الحديثة في الاقتصاد المغربي، لاسيما في مجال صعوبات المقاولة، أدت إلى ظهور "أزمة" في هذا المبدأ؛ حيث أصبح من الممكن أن تمتد آثار بعض المخططات القضائية (كمخطط التسوية) لتشمل دائنين لم يوافقوا عليها صراحة، وذلك تغليباً لمصلحة إنقاذ المقاولة وتوفير مناصب الشغل على المصالح الفردية الضيقة.  

الفصل الثالث: التكوين الهيكلي للعقد: الأركان والشروط الموضوعية

لكي يولد العقد صحيحاً في نظر القانون المغربي، يجب أن يستوفي أربعة أركان جوهرية حددها الفصل الثاني من الظهير: الأهلية، الرضا، المحل، والسبب.  

الركن الأول: الأهلية القانونية ومستويات التمييز

الأهلية هي مناط الالتزام، وهي ترتبط بالقدرة العقلية والسن القانوني. صنف المشرع المغربي الأهلية إلى مستويات:  

  • عديم الأهلية: وهو الصغير الذي لم يبلغ سن التمييز (12 سنة) والمجنون الذي فقد عقله. تصرفات هؤلاء باطلة بطلاناً مطلقاً ولا تنتج أي أثر.  


الركن الثاني: التراضي والتقاء الإرادتين في الفضاءين المادي والافتراضي

يقوم التراضي على تطابق الإيجاب مع القبول على العناصر الأساسية للعقد. وقد استجاب المشرع المغربي للثورة التكنولوجية من خلال القانون 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، حيث أقر الفصل 2-1 وما يليه صحة العقود المبرمة بشكل إلكتروني.  

  1. الإيجاب الإلكتروني: يجب أن يتضمن العرض الموجه بطريقة إلكترونية كافة الشروط التعاقدية، ويبقى الموجب ملزماً به طوال الفترة المحددة في العرض.  


الركن الثالث: محل الالتزام بين الإمكان والمشروعية

المحل هو ما يلتزم به المدين (إعطاء، فعل، أو امتناع). ويشترط فيه:  

  • التعيين: يجب أن يكون المحل معيناً بذاته أو قابلاً للتعيين بنوعه ومقداره.

  • الإمكان: يبطل الالتزام إذا كان المحل مستحيلاً استحالة مطلقة (طبيعية كبيع شمس، أو قانونية كالتزام محامٍ برفع دعوى سقطت بالتقادم).  


الركن الرابع: سبب الالتزام ونظرية الباعث الدافع

يعد السبب الغاية المباشرة التي يقصدها الملتزم. يتبنى القانون المغربي مفهوماً مزدوجاً للسبب:  

  1. السبب الموضوعي: وهو الغاية المباشرة (في البيع: تسلم المبيع مقابل دفع الثمن).  


الفصل الرابع: عيوب الرضا وآليات الحماية التعاقدية

لكي يكون التراضي صحيحاً، يجب أن يصدر عن إرادة حرة واعية. إذا شاب الإرادة عيب، فإن العقد لا يقع باطلاً من تلقاء نفسه، بل يصبح "قابلاً للإبطال" لمصلحة الطرف المتضرر.  

أولاً: الغلط (Erreur) وتصنيفاته القانونية

الغلط هو توهم يصور للواقع غير حقيقته ويدفع للتعاقد. ميز المشرع والفقهاء بين أنواع من الغلط:  

  • الغلط في المادة أو الصفة الجوهرية: يخول الإبطال إذا وقع في ذات الشيء أو نوعه أو صفة كانت هي السبب الدافع للرضا (كشراء خاتم على أنه ذهب فيتبين أنه نحاس).  


ثانياً: التدليس (Dol) والوسائل الاحتيالية

التدليس هو استعمال خديعة لإيقاع المتعاقد في غلط يدفعه للتعاقد. يشترط لتحققه:  

  1. استعمال طرق احتيالية: قد تكون أفعالاً إيجابية أو كتمان صمت عن حقيقة جوهرية (التدليس بالسكوت).  


ثالثاً: الإكراه (Violence) والرهبة غير المشروعة

الإكراه هو إجبار يباشر دون إذن القانون، يولد رهبة في نفس الشخص تدفعه للعمل بدون رضاه. ميز المشرع بين:  

  • الإكراه الملجئ: الذي يعدم الإرادة (كالتهديد بالقتل الفوري) ويجعل العقد باطلاً بطلاناً مطلقاً في بعض التفسيرات الفقهية.  


رابعاً: الغبن (Lésion) وحماية الفئات الهشة

الغبن هو التفاوت الفاحش بين الأداءات المتقابلة. القاعدة في القانون المغربي أن "الغبن المجرد لا يخول الإبطال" تشجيعاً للمبادرة الحرة. لكن المشرع استثنى حالتين يكون فيهما الغبن موجباً للإبطال (الفصول 55 و56):  

  1. الغبن المقترن بالتدليس: إذا استعمل الطرف الآخر حيلاً لرفع الثمن أو خفضه بشكل فاحش.

  2. غبن القاصر وناقص الأهلية: يعتبر غبناً كل فرق يزيد عن الثلث بين الثمن المذكور والقيمة الحقيقية للشيء، حتى لو تم التصرف بموافقة الولي.  


عيب الرضاالأثر القانونيالشرط الجوهري
الغلط الجوهريقابلية الإبطال

أن يكون هو الدافع الأساسي للتعاقد

التدليسقابلية الإبطال

صدوره عن المتعاقد الآخر أو علمه به

الإكراهقابلية الإبطال

توليد رهبة من خطر جسيم محدق

الغبن (للقاصر)قابلية الإبطال

تجاوز التفاوت لثلث القيمة الحقيقية

 

الفصل الخامس: نظرية البطلان والإبطال: جزاءات الاختلال العقدي

نظم المشرع المغربي في الفصول من 306 إلى 318 الآثار المترتبة على تخلف أركان العقد أو شروط صحته، مميزاً بوضوح بين نظامين قانونيين.  

أولاً: البطلان (Nullité Absolue) - انعدام الأثر القانوني

يكون الالتزام باطلاً بقوة القانون إذا افتقد ركناً من أركان قيامه أو إذا نص القانون على بطلانه في حالات خاصة.  

  • حالاته: تخلف الرضا، انعدام الأهلية (صغير غير مميز)، استحالة المحل، انعدام السبب أو عدم مشروعيته، وتخلف الشكلية في العقود الشكلية.  


ثانياً: الإبطال (Nullité Relative) - البطلان النسبي

يكون الالتزام قابلاً للإبطال إذا توفرت أركانه ولكن شاب رضى أحد الطرفين عيب، أو تعاقد ناقص أهلية دون إذن نائبه.  

  • خصائصه: لا يتقرر إلا لمصلحة من شرع له، ويقبل الإجازة الصريحة أو الضمنية التي تطهر العقد من العيب، ويسقط الحق في طلبه بالتقادم (عادة سنة من تاريخ زوال العيب).  


وجه المقارنةالبطلان (المطلق)الإبطال (النسبي)
الأساس

تخلف ركن من أركان العقد

تخلف شرط من شروط الصحة (كعيب رضا)

من يتمسك به

كل ذي مصلحة والمحكمة تلقائياً

الطرف المتضرر فقط

الإجازة (التصحيح)

لا يقبل الإجازة

يقبل الإجازة والتصديق

الأثر

العقد معدوم من الأصل

العقد صحيح منتج لآثاره حتى يبطل

 

الفصل السادس: مصادر الالتزام غير التعاقدية: الفعل الضار وأشباه العقود

بجانب الإرادة، تلعب الوقائع القانونية دوراً محورياً في إنشاء الالتزامات، حيث يفرض القانون رابطة المديونية نتيجة سلوك معين أو واقعة مادية.  

أولاً: المسؤولية المدنية (الجرائم وأشباه الجرائم)

تقوم المسؤولية المدنية في قانون الالتزامات والعقود على فكرة الخطأ كأساس عام (الفصلين 77 و78).  

  • المسؤولية عن الفعل الشخصي: تلزم كل من أحدث ضرراً للغير بفعله، أو إهماله، أو عدم تبصره، بالتعويض.  


ثانياً: أشباه العقود (Quasi-contrats)

هي أعمال اختيارية مشروعة يترتب عليها نشوء التزام نحو الغير، دون وجود اتفاق مسبق.  

  1. الإثراء بلا سبب (Enrichissement sans cause): من تسلم أو حاز شيئاً مملوكاً للغير بدون سبب يبرر هذا الإثراء، التزم برده لمن أثرى على حسابه. يشترط فيه إثراء المدين، وافتقار الدائن، وانعدام مبرر قانوني (كعقد أو نص قانوني) لهذا الانتقال المالي.  


الفصل السابع: انقضاء الالتزامات: زوال الرابطة المديونية

نظم المشرع في الفصل 319 ثمانية أسباب لانقضاء الالتزام، تعكس توازناً بين حقوق الدائن وحرية المدين.  

أولاً: الوفاء والوفاء بمقابل

الوفاء هو الطريق الطبيعي لانقضاء الالتزام بتنفيذ المدين لما التزم به عيناً.  

  • محل الوفاء: يجب أن يكون بالشيء المستحق ذاته. لكن الفصل 321 أجاز "الوفاء بمقابل" إذا رضي الدائن بأخذ شيء آخر عوضاً عن محل الالتزام الأصلي (كإعطاء عقار بدلاً من مبلغ مالي).  


ثانياً: الإقالة الاختيارية (Résiliation)

هي اتفاق الطرفين على إلغاء العقد ومحو آثاره للمستقبل، وفي الغالب بأثر رجعي يعيد الأطراف لحالتهم الأولى.  

  • موانع الإقالة: لا تصح الإقالة إذا هلك الشيء محل العقد أو تعيب، أو إذا استحال على المتعاقدين رد ما أخذاه، إلا إذا اتفقا على تعويض الفرق المادي.  


ثالثاً: التقادم المسقط (Prescription Extinctive)

يؤدي مرور الزمن المحدد قانوناً مع سكوت الدائن إلى سقوط "الدعوى" الناشئة عن الالتزام، لا الحق ذاته.  

  • المدد القانونية: القاعدة العامة هي 15 سنة. لكن المشرع وضع مدد تقادم قصيرة لمهن معينة لضمان استقرار المعاملات وسرعتها.  


مدة التقادمالفئة المستهدفةطبيعة الدعوى
15 سنةالقواعد العامة

كافة الالتزامات التي لم يحدد لها تقادم خاص

5 سنواتالتجار والموردون

التوريدات المقدمة لتجار آخرين لأغراض مهنهم

سنة واحدة (365 يوماً)المعلمون، الأطباء، المحامون

الأتعاب والمصاريف الناشئة عن ممارسة المهنة

سنة واحدةالعمال والمستخدمون

الرواتب والأجور والتعويضات عن العطل

 
  • انقطاع التقادم: ينقطع التقادم بالمطالبة القضائية، أو اعتراف المدين بالدين، ويترتب على الانقطاع محو المدة السابقة وسريان مدة جديدة كاملة.  


رابعاً: طرق أخرى للانقضاء (المقاصة واتحاد الذمة)

  • المقاصة: تقع عندما يكون شخصان دائنين ومدينين لبعضهما بصفة شخصية. وهي تؤدي لانقضاء الدينين بقدر الأقل منهما.  


الفصل الثامن: القوة الملزمة في مواجهة الظروف الطارئة والاستثنائية

تعتبر نظرية الظروف الطارئة (Imprévision) من أكثر المواضيع جدلاً في القانون المدني المغربي. فبينما يقدس الفصل 230 إرادة الأطراف، تفرض العدالة أحياناً التدخل لتعديل العقد إذا طرأت حوادث استثنائية عامة تجعل تنفيذ الالتزام مرهقاً للمدين.  

الموقف القضائي والتشريعي من نظرية الظروف الطارئة

  • في المادة المدنية والتجارية: يميل القضاء المغربي بصفة عامة إلى التشدد في تطبيق العقد، رافضاً تعديل الالتزامات بحجة تغير الظروف الاقتصادية (كالتضخم أو تقلب الأسعار)، معتبراً أن المتعاقد يجب أن يتوقع هذه المخاطر عند الإبرام.  


الفصل التاسع: التطورات المعاصرة والنزعة الحمائية في قانون الالتزامات

لم يعد قانون الالتزامات والعقود مجرد نص من القرن العشرين، بل أضحى منظومة متفاعلة مع قوانين خاصة حديثة أعادت صياغة المبادئ العامة.  

حماية المستهلك والحد من سلطان الإرادة

أدى صدور القانون 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك إلى إحداث اختراق في مبدأ سلطان الإرادة. فقد أصبح القاضي يملك سلطة إلغاء "الشروط التعسفية" في عقود الإذعان، وفرض على المهني "التزاماً عاماً بالإعلام"، مما يعني أن رضا المستهلك لم يعد كافياً لصحة العقد ما لم يكن "رضا مستنيراً".  

الرقمنة والتوثيق الإلكتروني

عدل القانون 53.05 أحكام الإثبات في قانون الالتزامات والعقود، حيث أقر الفصل 417-1 أن المحرر الإلكتروني يتمتع بنفس قوة الإثبات التي يتمتع بها المحرر الورقي، بشرط إمكانية تحديد هوية الشخص الذي صدر عنه وحفظه في ظروف تضمن سلامته. هذا التحول يعكس رغبة المغرب في الانخراط في الاقتصاد الرقمي العالمي مع الحفاظ على صرامة القواعد العامة للالتزام.  

الخلاصة التركيبية والآفاق المستقبلية

إن قانون الالتزامات والعقود المغربي، ورغم مرور أكثر من قرن على صدوره، يظل الدعامة الأساسية للأمن التعاقدي في المملكة. تكمن قوته في توازنه الفريد بين مرجعية الفقه المالكي الذي يقدس الوفاء بالعهود، وبين عقلانية التقنين المدني الحديث الذي ينظم المسؤولية بدقة.  

وتشير التحليلات العميقة إلى أن مستقبل هذا القانون يتجه نحو:

  1. أنسنة القواعد القانونية: عبر التوسع في حماية الطرف الضعيف وتكريس مبدأ التوازن العقدي.

  2. التكيف مع العولمة: من خلال ملاءمة قواعد التبادل التجاري والإلكتروني مع المعايير الدولية والاتفاقيات التي صادق عليها المغرب.  


إن المبادئ العامة لقانون الالتزامات والعقود المغربي ليست مجرد إرث تاريخي، بل هي كائن قانوني حي يتنفس من خلال الاجتهاد القضائي والتعديلات التشريعية المستمرة، موفراً بذلك بيئة قانونية صلبة ومرنة في آن واحد لخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المغرب.  

  • الالتزام ببذل عناية والالتزام بتحقيق نتيجة: في النوع الأول، يلتزم المدين بالقيام بكل ما يلزم لتحقيق غاية معينة دون ضمان الوصول إليها (كالتزام الطبيب بمعالجة المريض دون ضمان الشفاء)، بينما في النوع الثاني، لا تبرأ ذمة المدين إلا بالوصول للنتيجة المتفق عليها (كالتزام الناقل بإيصال البضاعة سليمة).  

  • الالتزامات الفورية والمستمرة: تبرز أهمية هذا التصنيف في نطاق نظرية الظروف الطارئة؛ فبينما ينفذ الالتزام الفوري دفعة واحدة، يمتد الالتزام المستمر (كعقد الكراء) عبر الزمن، مما يجعله عرضة للتحولات الاقتصادية الكبرى.  

  • ناقص الأهلية: وهو الصغير المميز والسفيه والمعتوه. تصرفاتهم تكون قابلة للإبطال إذا كانت دائرة بين النفع والضرر، وتصح إذا كانت نافعة نفعاً محضاً (كقبول الهبات دون عوض).  

  • حماية القاصر: منح المشرع للقاصر وناقص الأهلية الحق في طلب إبطال التعهدات التي يبرمانها دون موافقة الولي أو الوصي، وهو ما يعكس نزعة حمائية واضحة تجاه الفئات الضعيفة في المجتمع.  

  • آلية القبول: يتم العقد الإلكتروني عندما يرسل القابل تأكيداً نهائياً بعد إتاحة الفرصة له لمراجعة تفاصيل طلبه، وهو ما يسمى بـ "مبدأ النقرتين" لضمان جدية الرضا.  

  • التعامل في المستقبل: أجاز الفصل 61 التعامل في الأشياء المستقبلية (كبيع محصول لم ينضج)، لكنه منع منعاً باتاً التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة ولو برضاه، معتبراً ذلك باطلاً بطلاناً مطلقاً لمخالفته للنظام العام.  

  • السبب المشروع: يجب ألا يكون الباعث على التعاقد مخالفاً للقانون أو الآداب (كاستئجار منزل لإدارة أعمال غير مشروعة).  

  • قرينة وجود السبب: يفترض القانون في كل التزام أن له سبباً حقيقياً ومشروعاً ولو لم يذكر في العقد. وعلى من يدعي انعدام السبب أو عدم مشروعيته أن يقيم الدليل على ذلك، وهو ما يسهل استقرار المعاملات اليومية.  

  • الغلط في الشخص: لا يخول الإبطال إلا إذا كانت شخصية المتعاقد أو صفته هي الدافع للتعاقد (عقود التبرعات أو عقود الخبرة الفنية).  

  • الغلط في القانون: أجاز الفصل 40 الإبطال بناءً على الغلط في القانون إذا كان هو السبب الوحيد أو الأساسي للتعاقد وأمكن العذر عنه.  

  • أن يكون التدليس صادراً عن المتعاقد الآخر: أو نائبه، أو شخص يعمل بالتواطؤ معه. أما تدليس الغير فلا يبطل العقد إلا إذا كان المتعاقد المستفيد عالماً به.  

  • الدافع للتعاقد: يجب أن يبلغ التدليس من الجسامة حداً بحيث لولاه لما أبرم الطرف الآخر العقد.  

  • الإكراه غير الملجئ: الذي يفسد الرضا ويجعله قابلاً للإبطال. يراعي القاضي في تقدير الإكراه السن، والذكورة، والأنوثة، وحالة الأشخاص، ودرجة تأثرهم، مما يعطي لهذا العيب طابعاً شخصياً (ذاتياً) لا موضوعياً صرفاً.  

  • خصائصه: لا يقبل الإجازة (التصحيح)، يمكن لأي ذي مصلحة التمسك به، وتقضي به المحكمة تلقائياً، ويعتبر العقد كأن لم يكن منذ البداية.  

  • أثره: وجوب إعادة الأطراف إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد (الرد المتبادل)، ما لم يقرر القانون خلاف ذلك (كحالة ناقص الأهلية الذي لا يرد إلا بقدر ما عاد عليه من نفع).  

  • القوة الملزمة المؤقتة: يظل العقد القابل للإبطال منتجاً لآثاره إلى أن يصدر حكم قضائي بإبطاله، وهو حكم يكون منشئاً للبطلان لا كاشفاً له.  

  • المسؤولية عن فعل الأشياء والحيوانات: تبنى المشرع في الفصل 88 مسؤولية حارس الشيء عن الأضرار التي تحدثها الأشياء التي تحت حراسته، وهي مسؤولية تقوم على خطأ مفترض لا يدفعه إلا إثبات القوة القاهرة أو الحادث الفجائي أو خطأ المتضرر.  

  • مسؤولية متبوع عن أفعال تابعه: حيث يسأل السيد أو السادة والموكلون عن الضرر الذي يحدثه خدامهم ومأموروهم في أداء الوظائف التي شغلوهم فيها.  

  • دفع غير المستحق (Paiement de l'indu): من دفع شيئاً ظناً منه أنه مدين به، نتيجة غلط في القانون أو الواقع، يحق له استرداده من تسلمه.  

  • الفضالة (Gestion d'affaires): عندما يباشر شخص (الفضولي) شؤون أحد الأغيار في غيابه أو دون علمه وبقصد تحقيق مصلحته، تنشأ علاقة مشابهة للوكالة تلزم رب العمل بتعويض الفضولي عن نفقاته الضرورية.  

  • تخصيص الوفاء: إذا تعددت الديون على نفس المدين لنفس الدائن، يحق للمدين عند الدفع تحديد الدين الذي يريد وفاءه، وإلا كان للدائن الحق في التخصيص في التوصيل الذي يسلمه للمدين.  

  • الأثر تجاه الغير: تظل الحقوق التي اكتسبها الغير بحسن نية على الشيء محل الإقالة قائمة ولا تتأثر بفسخ العقد بين الطرفين الأصليين.  

  • اتحاد الذمة: إذا اجتمعت في شخص واحد صفتا الدائن والمدين لنفس الالتزام (كأن يرث الابن ديناً كان عليه لوالده المتوفى)، فإن الالتزام ينقضي.  

  • في المادة الإدارية: تطبق المحاكم الإدارية المغربية نظرية الظروف الطارئة بمرونة أكبر في العقود الإدارية (كالامتيازات والصفقات العمومية)، حيث تتدخل لتعويض المتعاقد مع الإدارة عن "الأعباء غير المتوقعة" لضمان استمرار المرفق العام.  

  • تأثير جائحة كورونا: أعادت الجائحة النقاش حول "القوة القاهرة" و"الظرف الطارئ". وبينما اعتبرت بعض المحاكم الجائحة قوة قاهرة تؤدي لانقضاء الالتزام لاستحالته، اعتبرتها أخرى ظرفاً طارئاً يبرر منح "أجل استرحامي" للمدين طبقاً للفصل 243.  

  • تعزيز الدور الإنشائي للقاضي: حيث لم يعد القاضي مجرد خادم للنص العقدي، بل أصبح حارساً للعدالة التعاقدية يتدخل لإعادة التوازن كلما اختل بفعل تدليس، أو غبن، أو ظروف استثنائية.  

  • تعليقات