موضوع: الجهوية المتقدمة في الدستور المغربي: المرتكزات وآليات التنزيل

 


موضوع: الجهوية المتقدمة في الدستور المغربي: المرتكزات وآليات التنزيل

مقدمة

يعتبر ورش الجهوية المتقدمة في المغرب من أبرز الإصلاحات الهيكلية التي باشرتها المملكة، حيث انتقلت من مجرد "لامركزية إدارية" تقليدية إلى "جهوية متقدمة" تهدف إلى تحقيق تنمية مندمجة ومستدامة. وقد شكل خطاب 9 مارس 2011، والدستور الذي تلاه، محطة حاسمة في دسترة هذا الورش، بجعله خياراً استراتيجياً لا رجعة فيه.
تكمن أهمية هذا الموضوع في كونه يمس جوهر التنظيم الترابي للمملكة، ويعد معياراً لقياس مدى نضج التجربة الديمقراطية المغربية. ومن هنا تبرز الإشكالية التالية: إلى أي حد استطاع المشرع الدستوري المغربي وضع إطار قانوني ومؤسساتي كفيل بجعل الجهوية المتقدمة رافعة للتنمية الديمقراطية والاقتصادية؟
للإجابة على هذه الإشكالية، سنعتمد التصميم التالي:
المبحث الأول: المرتكزات الدستورية والمبادئ المؤطرة للجهوية المتقدمة.
المبحث الثاني: الاختصاصات وآليات التنزيل في ظل القانون التنظيمي 111.14.

المبحث الأول: المرتكزات الدستورية والمبادئ المؤطرة للجهوية المتقدمة

لقد ارتقى دستور 2011 بالجهة إلى مكانة الصدارة بين الجماعات الترابية، محيطاً إياها بمجموعة من المبادئ الدستورية التي تضمن استقلاليتها وفعاليتها.

المطلب الأول: المكانة الدستورية للجهة والاستقلالية الإدارية

نص الفصل الأول من الدستور على أن "التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة". وبموجب الفصل 135، تعتبر الجهات جماعات ترابية خاضعة للقانون العام، تدار شؤونها بكيفية ديمقراطية.
تتجلى هذه الاستقلالية في:
1.الانتخاب المباشر: حيث يتم انتخاب أعضاء مجالس الجهات بالاقتراع العام المباشر، مما يمنحها شرعية ديمقراطية قوية.
2.الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي: مما يخول لها تدبير مواردها ومشاريعها بشكل مستقل تحت رقابة القضاء.

المطلب الثاني: المبادئ المؤطرة للتدبير الجهوي

أقر الدستور المغربي مجموعة من المبادئ الحديثة في التدبير الترابي (الفصل 136 وما يليه):
مبدأ التدبير الحر: الذي يمنح الجهة سلطة التداول بكيفية ديمقراطية، وسلطة تنفيذ مداولاتها ومقرراتها.
مبدأ التفريع (Subsidiarity): وبمقتضاه تمارس الجهة الاختصاصات التي يمكن تنفيذها بشكل أفضل على المستوى المحلي، مما يضمن القرب والفعالية.
مبدأ التعاون والتضامن: لضمان توازن تنموي بين مختلف الجهات وتجاوز الفوارق المجالية.

المبحث الثاني: الاختصاصات وآليات التنزيل في ظل القانون التنظيمي 111.14

إذا كان الدستور قد وضع الإطار العام، فإن القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات قد جاء ليفصل في الاختصاصات والآليات المالية والإدارية.

المطلب الأول: هندسة الاختصاصات الجهوية

ميز المشرع بين ثلاثة أنواع من الاختصاصات للجهة:
1.الاختصاصات الذاتية: وهي المجالات التي تتدخل فيها الجهة بشكل مباشر، كالتنمية الاقتصادية، وإعداد التراب، والتكوين المهني.
2.الاختصاصات المشتركة: التي تمارسها الجهة بالاشتراك مع الدولة، مثل الحفاظ على التراث الثقافي وتحسين الجاذبية الاستثمارية.
3.الاختصاصات المنقولة: وهي التي تنقلها الدولة للجهة تدريجياً، مع توفير الموارد المالية اللازمة لممارستها.

المطلب الثاني: آليات التنزيل والرقابة القضائية

يتوقف نجاح الجهوية المتقدمة على توفر موارد مالية وبشرية كفيلة بتنزيل المخططات الجهوية للتنمية (PDR).
الموارد المالية: نص القانون التنظيمي على تخصيص نسب من الضرائب الوطنية (الضريبة على الشركات، الضريبة على الدخل...) لفائدة الجهات، بالإضافة إلى صندوق التأهيل الاجتماعي وصندوق التضامن بين الجهات.
الرقابة القضائية: انتقلنا من "الوصاية الإدارية" التقليدية إلى "المراقبة الإدارية" التي يمارسها ولاة الجهات، والتي تنتهي في الغالب أمام القضاء الإداري. فكل نزاع يتعلق بشرعية قرارات المجالس الجهوية يفصل فيه القضاء، مما يعزز دولة الحق والقانون على المستوى الترابي.

خاتمة

إن الجهوية المتقدمة ليست مجرد تقسيم ترابي جديد، بل هي رؤية ملكية لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والمحيط. ورغم المكتسبات الدستورية والقانونية الهامة، يبقى التحدي الأكبر هو "اللاتمركز الإداري" الفعلي، وتأهيل النخب الجهوية القادرة على قيادة قاطرة التنمية، لضمان انتقال حقيقي نحو مغرب الجهات.

تعليقات